ابن عربي

351

الفتوحات المكية

ورأيت فيه علم خزائن مزيد العلوم وتنزلها على قلوب العارفين وبمن تحق ومن يقسمها على القلوب وما ينزل منها عن سؤال وعن غير سؤال فإذا سأل الإنسان مزيد العلم فليسأل كما أمر الله تعالى نبيه أن يسأل إذ قال له وقل رب زدني علما فنكر ولم يعين فعم فأي علم نزل عليه دخل تحت هذا السؤال فإن النزول عن سؤال أعظم لذة من النزول عن غير سؤال فإن في ذلك إدراك البغية وذلة الافتقار وإعطاء الربوبية حقها والعبودة حقها فإن العبد مأموران يعطي كل شئ حقه كما أعطى الله كل شئ خلقه وفي العلم المنزل عن السؤال من علو المنزلة ما لا يقدر قدر ذلك إلا الله ورأيت علم حصر الآيات في السمع والبصر فأما شهود وإما خبر ورأيت التوراة وعلم اختصاصها بما كتبها الله بيده وتعجبت من ذلك كيف كتبها بيده ولم يحفظها من التبديل والتحريف الذي حرفه اليهود أصحاب موسى فلما تعجبت من ذلك قيل لي في سرى اسمع الخطاب بل أرى المتكلم وأشهده في اتساع رحمة أنا فيها واقف وقد أحاطت بي فقال لي أعجب من ذلك إن خلق آدم بيديه وما حفظه من المعصية ولا من النسيان وأين رتبة اليد من اليدين فمن هذا فأعجب وما توجهت اليدان إلا على طينته وطبيعته وما جاءته الوسوسة إلا من جهة طبيعته لأن الشيطان وسوس إليه وهو مخلوق من جزء ما خلق منه آدم فما نسي ولا قبل الوسوسة إلا من طبيعته وعلى طبيعته توجهت اليدان ثم مع هذا فما حفظه مما حمله في طينته من عصاة بنيه فلا تعجب لتغيير اليهود التوراة فإن التوراة ما تغيرت في نفسها وإنما كتابتهم إياها وتلفظهم بها لحقه التغيير فنسب مثل ذلك إلى كلام الله فقال يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون أن كلام الله معقول عندهم وأبدوا في الترجمة عنه خلاف ما هو في صدورهم عندهم وفي مصحفهم المنزل عليهم فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل وأبقوا الأصل على ما هو عليه ليبقى لهم العلم ولعلمائهم وآدم مع اليدين عصى بنفسه ولم يحفظ حفظ كلام الله فهذا أعجب وإنما عصم كلام الله لأنه حكم والحكم معصوم ومحله العلماء به فما هو عند العلماء محرف وهم يحرفونه لأتباعهم وآدم ما هو حكم الله فلا يلزمه العصمة في نفسه وتلزمه العصمة فيما ينقله عن ربه من الحكم إذا كان رسولا هو وجميع الرسل وهذا علم شريف فإن الله ما جعل في العالم هدى لا يصح أن يعود عمى فإنه أبان لمن أوصله إليه فما اتصف بالعمى إلا من لم يصل إليه الهدى من ربه ومن قيل له هذا هدى لا يقال إنه وصل إليه حتى يكون هو الذي أنزل عليه الهدى وحصل له العلم بذلك فإن هذا لا يكون عنده عمى أبدا فما استحب العمي على الهدى إلا من هو مقلد في الأمرين لأبناء جنسه فالعمي يوافق طبعه والهدى يخالف طبعه فلذلك يؤثره عليه فرأيت فيها علم من اتأد وعلى الله اعتمد وهذا هو التوكل الخامس وهو قوله تعالى في سورة المزمل فاتخذه وكيلا ورأيت فيها علم ما ينال بالورث وعلم ما ينال بالكسب ورأيت فيها علم الفرق بين شكر المكلف وشكر العبد ورأيت فيها علم تنوع الأحكام لتنوع الأزمان فإنه من المحال أن يقع شئ في العالم إلا بترتيب زماني وتقدم وتأخر ومفاضلة لأن الله أشهدني أسماءه فرأيتها تتفاضل لاشتراكها في أمور وتميزها في أمور مع الاشتراك وكل اسم لا يقع فيه اشتراك مع اسم لا مفاضلة بين ذاتك الإسمين فاعلم ذلك فإنه علم عزيز ورأيت فيها علم تسليط العالم بعضه على بعض وما سببه فرأيته من حكم الأسماء الإلهية في طلبها ظهورها وولايتها وما هي عليها من الغيرة ورأيتها تستعين بالمشارك لها من الأسماء فهي المعانة المعينة ولذلك خرج الخلق على صورتها فمنها المعان والمعين ولما وقع الأمر هكذا خاطبهم بحكم التعاون فقال وتعاونوا على البر والتقوى فيكون ما فطروا عليه عباده فإنهم قد يتعاونون بتلك الحقيقة على الإثم والعدوان ورأيت علم الجبر فرأيته آخر ما تنتهي إليه المعاذر وهو سبب مال الخلق إلى الرحمة فإن الله يعذر خلقه بذلك فيما كان منهم فإنهم لا يبقى منهم إلا التضرع الطبيعي ولولا إن نش ء الآخرة مثل نش ء الدنيا ذو جسم طبيعي وروح ما صح من الشقي طلب ولا تضرع إذ لو لم يكن هناك أمر طبيعي لم يكن للنفس إذا جهلت من ينبهها على جهلها لعدم إحساسها إذ لا حس لها إلا بالجزء الطبيعي الذي هو الجسد المركب وبالجهل شقاؤها فكانت النفس بعد المفارقة إذا فارقت وهي على جهالة كان شقاؤها جهلها ولا تزال فيه أبدا فمن رحمة الله بها إن جعل لها هذا المركب الطبيعي في الدنيا والآخرة وما كل أحد يعلم حكمة هذا المركب الذي لا يخلو حيوان عنه ورأيت علم الرجعة وهو علم البعث وحشر الأجساد في الآخرة وأن الإنسان إذا انتقل عن الدنيا لن يرجع إليها أبدا لكنها تنتقل معه